دائما ما يقال مثل او مقولة ( الله يرحم مزنه ) ويكثر ترديدها بين الناس
فمن هي مزنه وما هي قصتها ؟
المقصودة بالمثل هي احد النساء اللائي خلدهن تاريخ نجد من خلال قصة بطولية وتدعى مزنة بنت منصور المطرودي من قبيلة بني خالد من اهالي قرية العوشزية وتقع في شرق محافظة عنيزة في منطقة القصيم وتابعه لها إداريا حاليا
حكاية المطرودية أحد الحكايات الشعبية المترسخة وهي حكاية غريبة وواقعية وحقيقية وثبتها المؤرخون وكان اولهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن إبراهيم البسام التميمي رحمه الله في موسوعته التاريخية ( خزانة التواريخ النجدية ) الجزء الثالث ثم أعاد حكايتها الشيخ منديل بن محمد بن منديل الفهيد الاسعدي الروقي العتيبي رحمه الله في موسوعته ( من آدابنا الشعبية في الجزيرة العربية )الجزء التاسع كما اشار لها الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الخويطر في كتابه ذو الاجزاء المتعددة ( وسم على أديم الزمن – سيرة ذاتية ) كذلك اشار لها الدكتور عبدالله بن محمد الغذامي في كتابه ( الجهنية في لغة النساء وحكايتهن )
وقصة هذه المرأة بدأت حينما ذهب والدها وإخوانها وكل رجال الحي إلى صلاة الجمعة، وكانت المسافة بين قريتهم (العوشزية) وعنيزة مسافة كبيرة تبلغ سبعة كيلومترات، ومن هنا فإن غيبة رجال القرية ستكون طويلة خاصة أن الرجال تعودوا أن يرتاحوا بعد صلاة الجمعة لشرب القهوة في منزل أحد معارفهم في عنيزة ويظلوا هناك إلى قرابة مغرب الشمس حيث يعودون إلى أهلهم.
كانت تلك عادتهم على مر الأيام حيث يتركون النساء وحدهن في فضاء مكاني واجتماعي لارجل فيه، ولقد ترصد بعض شباب البادية هذه الحالة وخططوا لسرقة مواشي المطرودي وفيها إبل وغنم كثير، وهذا ماصار.
وتمت عملية استجماع الماشية وشرع البدو في قيادة الغنيمة متجهين شرقا على عكس طريق عنيزة، ولم يكن في الحي رجال ينقذون الموقف، وهناك تحركت مزنة بنت منصور المطرودي، وقد أحست بالغيظ من ضياع حلال والدها هكذا عنوة وبماء بارد، وما كان منها إلا أن فتشت عن ثياب لأخيها في المخزن فارتدها ووضعت العقال على رأسها وأحاطت وجهها بلثام باستدارة الشماغ، وقفزت على ظهر الفرس وجاءت بالنساء ليحطن بها من بعيد متخفيات بأنواع من اللبوس وكأنما هن من بطانة الفارس الملثم، ثم هبت هبة سريعة تعدو بفرسها باستعراض دائري لايقترب كثيرا من البدو ولكن تكون على مرأى منهم وكأنما تتهيأ لهجمة تباغت اللصوص وتحصد رؤوسهم، وظلت تدور وتستعرض مرتين أو ثلاثا حتى أحدثت في نفوس اللصوص رهبة وتحفزا لما يمكن أن يحدث لهم من هذا الفارس الذي فاجأهم وقد كانوا يظنون المكان خاليا من الرجال، وهنا اقترب الفارس الملثم وقد نضجت قلوب البدو خوفا ومفاجأة، حتى خاطبهم الفارس الملثم بصوت أجش مقتضب الكلام قصير الجمل وبروح آمرة ومتغطرسة تأمرهم برد المواشي والاتجاه أذلاء نحو البيوت عائدين، تقول هذا وهي تنطلق بفرسها في دائرة طويلة تحيط بالمكان من بعيد مشهرة البندقية ومستعرضة على الفرس ومع حركات تتبادلها مع صواحبها من النساء المتربصات من بعيد وكأن الجميع يمثلن خطة عسكرية في التطويق والانقضاض.
بعد كل هذا الاستعراض المهيب استسلم البدو وقرروا رد المواشي ولكنهم سألوا من نحن بوجهه، فقالت لهم: أنتم بوجه حماد المطرودي، قالتها بصوت أجش استسلموا معه وعادوا مع الغنيمة إلى بيوت المطرودي، وهناك نزلوا في الضيافة لتأتيهم القهوة ويأتيهم وعد بالعشاء الذي راحت مزنة ونساء العائلة يجهزنه للضيوف الأعداء، إلى أن حضر الرجال عائدين من عنيزة وعلموا بالخبر وصاروا يرحبون بضيوفهم ولم ينكشف الأمر إلاحينما أصر البدو على معرفة الفارس الذي واجههم في تلك الظهرية، وهنا أبلغهم الأب أن الفارس لم يكن سوى بنته مزنة.
هنا جاءت الحكاية لتتحول إلى أسطورة اجتماعية وثقافية تدور على كل لسان وصارت مادة لسواليف النساء والرجال، ومن الطريف أن فخر الرجال بالمطرودية لايقل عن فرحة النساء بها وتباهيهن بقدرة المرأة وشجاعتها وقوة عقلها وحسن تدبيرها.
ولقد وجدت المطرودية نفسها بعد تلك الحادثة مطلباً للخطاب من فرسان العرب،وشاع خبرها في مجالس الملوك والأمراء حتى خطبها الأمير جلوي بن تركي بن عبد الله آل سعود الذي ولد عام 1233هـ وأنجبت الأمير سعود وانجبت ابنة أيضًا (توفيا في صغرهما) وبعد وفاة مزنة تزوج الامير جلوي اختها رقية بنت منصور المطرودي وأنجبت الأمير عبد الله
شارع في عنيزة بإسمها
قامت بلدية عنيزة بإطلاق لوحة طريق مزنة بنت منصور المطرودي في 15 جمادى الآخرة 1443 هـ. وهذه المبادرة تعزز ما تحظى به المرأة السعودية منذ بداية تأسيس هذه الدولة المباركة من اهتمام وعناية وتشجع النساء من الجيل الحالي أن يحذين حذو القدوات اللواتي سبقنهن
قصيدة مزنة
الشاعر المصري احمد علي سليمان عبد الرحيم ولد سنة 1963 جسد هذه القصة من خلال قصيدة وضع عنوانها ( الله يرحم مزنة – قصة مزنة العوشزية ) :
في (مُزنةٍ) حارتْ رؤى أفكاري وتعثرتْ – في سَيرها أشعاري
إن حارَ شاعرُ نصّه في نظمه ورموزه ، ما بالنا بالقاري؟
مِن أين أبدأ قصة مَحفوفة بمكاره النكبات والأخطاري
أحداثها مِن بدئها لخِتامها ترتاعُ – من أهوالهن ضواري
ويَحارُ – في تأليفها مستبصرٌ أمسى يجيدُ سِباكة الأفكاري
وكأنما نسجَ الخيالُ خيوطها فإذا بسامعها الحصيف يُماري
هي قصة حدثتْ ، وشوهد أهلها ومكانها مصرٌ من الأمصاري
في (العَوْشزية) أجريت أحداثها وأميرةُ الأحداث ذاتُ خِماري