من قصص الجن في الكويت قديما

من قصص الجن في الكويت قديما

من قصص الجن في الكويت قديما

وقعت هذه الحادثة التي أحدثكم عنها في يوليو 1969، كنت يومها في السادسة من عمري، أخذتني جدتي رحمها الله معها في زيارة إلى منزل أخيها، خال والدي، في منطقة الفحيحيل، الناس في تلك الأيام كانوا قريبين بعضهم من بعض، ومن الطبيعي أن تبيت الأخت في منزل شقيقها لعدة أيام، ولا أزال أذكر هذه الزيارة وكأنها قبل يومين أو الأسبوع الماضي، بالرغم من مضي أكثر من أربعين سنة عليها. كان منزل خال والدي كبيرا يتجاوز ألف متر.. ولأنني صغير السن رأيته وكأنه أكثر من ثلاثة آلاف متر، هكذا نشاهد الأشياء ونحن صغار، نراها أكبر من حجمها الطبيعي بمرات عديدة، وقفت عند مدخل البيت أتأمل حجمه وغموضه.. كنت أشعر بأن فيه أسرارا لا أعرفها ولا أستطيع حتى التفكير بها من شدة غموضها، مع أنني أراه اليوم منزلا طبيعيا عاديا، ولكن حديث جدتي لي في السيارة ونحن ذاهبان إليه أعطاني إحساسا بأنني سأدخل غابة مظلمة وليس منزلا عاديا.

نصائح الجدة

قالت لي جدتي عندما ركبنا السيارة «سنذهب الآن إلى منزل خالك محمد، فلا تزعجهم ولا تكثر الركض ولا تتلف الأثاث، لا تقف على السرير ولا الكنبات، ولا تتعبث بالتلفزيون ولا الراديو، وأغلق باب الحمام ولا تسرف في الماء، ولا تترك الصلاة ولا ترفع صوتك، فخالك لا يحب الإزعاج..» نصائح لها أول وليس لها آخر، كنت أشعر بالضيق منها في تلك الأيام، لكنني أدركت بعد ذلك أنها أساس القيم الإنسانية.
وصلنا البيت وشعرت بالخوف.. كان مظلما وكبيرا، أشجاره متدلية وسعف النخل يصدر أصواتا مرعبة كأن أحدا يركب الريح، والليمون يتدلى من الشجر وكأن هناك من ينظر إلي بعيون صفراء، لم يهتم أحد بالمزرعة الكثيفة ولم يبد أن هناك من يعتني بها.. وكأنني أدخل بيت أشباح وقصرا قديما يعشش فيه الجن منذ سنوات طويلة، حتى جرس الباب الخارجي الكبير المصنوع من الحديد كان غريبا.. وكأنه يصدر من قاع عميق في الأرض وله صدى لم أسمع مثله، فتح الباب وأطل رجل خليجي كان يعمل عند خالي بوجه غير بشوش أبدا، ينظر من طرف عينه نظرة من يقول لي: ما الذي أتى بك إلى هنا؟!
سارت الأمور طبيعية كما تسير في كل المنازل، كنت أسمع بين فترة وأخرى أصواتا غريبة تصدر من سقف المنزل، حاولت أن أبدو طبيعيا.. لكن صوتا قويا حرك لساني ودفعني لأسأل ابن خالي عن هذا الصوت، فضحك وقال لي لا تخف إنهم أهل الأرض(!) سألته ومن هم أهل الأرض؟ فقال لي على الفور «الجن» شعرت بأن رجلي لا تحملاني، لم أكن أعرف كثيرا عن الجن، ولكنني أعلم أنهم مرعبون ومخيفون ووجوههم كأنها شظايا نار، ويتلبسون الإنسان لكي يسيطروا عليه.

لا أحد هناك

ظلت كلمات ابن خالي تدور في عقلي كما يدور الهواء في الحديقة، لا تهدأ ولا تسكن ولا تتركني أفكر في شيء آخر سواها، وجاء الليل البهيم.. وكانت الغرفة المعدة للضيوف في الدور الثالث ولا توجد غرفة سواها، وتقع في سطح البيت وهي غرفة مغلقة لا تفتح إلا للضيوف فقط، نامت جدتي مبكرا وتركتني في حيرتي وأنا أفكر في كلام ابن خالي.. وما هي إلا لحظات حتى قرع أحدهم الباب الموصل إلى السطح، فتسمرت في مكاني ولم أتحرك، هل هو قرع حقيقي أم صنعه خيالي الطفولي الخائف؟! عاد القرع مرة أخرى.. ياللهول إنه حقيقي، هناك من يقرع الباب، ومن الذي سيدخل إلينا من السطح؟! أيقظت جدتي على الفور، والحمد لله أننا ننام على سرير واحد، أيقظتها بهمس لكي لا يسمعني من يطرق الباب.
استيقظت، رحمها الله، على الفور وجلست على السرير وهي تسألني ماذا أريد، فأشرت إلى الباب وقلت لها إن هناك من يطرق الباب، فسكتت لحظات لتتأكد من كلامي وهي تنظر باتجاهه.. مرت لحظات قليلة جدا لكنها بالنسبة إلي كانت قرونا، قرع مرة أخرى، فاحتضنتني من غير شعور وهي ترتجف بشدة وكأنها تستنجد بي، واستمر الطرق فترة من الوقت.. فتشجعت جدتي وفتحت الباب، ولكن المفاجأة أنه لم يكن هناك أحد.

إنهم أهل الأرض

عدنا إلى النوم مجددا وما هي إلا لحظات حتى بدأ السرير وكأنه يموج بنا، فتذكرت كلمة ابن خالي على الفور «إنهم أهل الأرض» فقلت لجدتي وهي تمسك بيدي «هؤلاء هم أهل الأرض» فصرخت رحمها الله وبدأت على الفور تقرأ المعوذتين.. هدأ السرير فورا سبحان الله، وسادت فترة من الصمت كان مخيفا أكثر من أصوات الطرق، وانتظرنا أن نسمع الأصوات مرة أخرى ولكن مرّ الليل كله بهدوء.
في الصباح أخبرت جدتي أخاها بالموضوع، فأخبرها بأن البيت مسكون منذ أن بني قبل ثلاث سنوات تقريبا، وحكى لنا قصصا عن الأصوات التي كانوا يسمعونها فيه، وما استغربت منه أنه كان يتحدث في وجودنا- أنا وأبناؤه- ونحن صغار لم نتجاوز العاشرة من أعمارنا، ثم جاءت الطامة التي لم أتوقعها.. قال «شاهدت أحدهم أمامي وأنا ذاهب إلى صلاة الفجر، كان طويلا يرتدي رداء أو بشتا ودشداشة قصيرة وملامحه ليست واضحة، قلت لهم ماذا تريدون اتركونا بحالنا فنحن مسالمون، فقال لي سأذهب معك إلى الصلاة، ونحن مسلمون أيضا ولن نؤذيكم، ثم اختفى ولم أر أحدا منهم ولكنني أسمع اصواتهم باستمرار».

ليلتان لا تنسيان

ظللنا نتناقل فيما بيننا وجود الجن في منزل خالي رحمه الله إلى يومنا هذا، حتى بعد أن باعوا البيت بقي كما هو إلى اليوم في منطقة الفحيحيل، وقال لي ابن خالي بعد أن كبرنا واعتدنا سماع قصص البيت إنهم يسكنون فوق معبد للجن والله أعلم، ومضت الأيام والسنوات.. ولا أزال إلى اليوم أتذكر تينك الليلتين اللتين قضيتهما مع جدتي رحمها الله في منزل أخيها كأنهما أمس.

العودة إلى البيت

الليلة التالية كانت أشد من الأولى، كانت في الغرفة نافذة تطل على السطح، ومغطاة بستارة خفيفة.. في منتصف الليل بدا ظل رجل واقف خلف النافذة، فأيقظت جدتي على الفور فتغطت باللحاف وقالت له بصوت عالٍ «من أنت، وماذا تريد؟ اتركنا بحالنا، ارحل إن كنت تخاف الله» فتحرك.. ثم عاد مرة أخرى لكنه طرق النافذة هذه المرة، فتحت جدتي النافذة على الفور فاختبأت خلفها وأنا مستغرب من قوتها.. لم يكن هناك أحد، لكنني شاهدت رجلا يقف في نهاية السطح، شاهدته بوضوح ولا أعتقد أنني أتوهم، أغلقت جدتي الستارة وطلبت مني أن أنام فلن يؤذونا مرة ثانية، وبالفعل لم نسمع شيئا بعد ذلك، ولكنني أصررت في اليوم التالي أن أعود إلى بيت والدي، فلم أعد أتحمل البقاء هنا يوما آخر.

أحمد ناصر

المصدر : جريدة القبس الكويتية

error: Content is protected !!